عفيف الدين التلمساني

325

شرح مواقف النفري

الحاضر بصعوبتها هي تفرق القلب عن سكينته ، فالسكينة تمحو هذه العبادة وتستبدل بدلها ما لا تفرق السكينة مثل العبادة القلبية والذكرية ، ولست أعني أنها تنهى عن الفرائض ؛ فإن الكلام في هذه الطائفة إنما هو عن النوافل لأنهم أهل النوافل وأهل الأوراد . قوله : ( وقال لي : أثبت ما أثبت من أمري فأوجب أمري ما أوجب من حكمي فخرج حكمي بما جرى من علمي فغلب علمي فأشهدتك أنه غلب فتلك سكينتي فشهدت فتلك بينتي ) . قلت : هذا يدل على صحة ما فسر به ما قبله ، وذلك أنه بين أن الذي أثبت هو من أمره يعني أنه خصص بعض الأوامر بالنفس فأثبت ذلك الأمر وجوب حكم ما يليق بمعناه ، فذلك الحكم هو الذي جرى في علم اللّه تعالى أنه يكون عملا من أعمال صاحب السكينة . وقوله فغلب علمي أي تعين مضمونه بخلاف ما لم يجد في العلم من بقية الأمر فأشهد العبد أن العلم الإلهي غلب بتعينه هذا العمل الخاص دون غيره ، فسكن بذلك العمل قلبه فهي سكينته ، وذلك الشهود هو البينة على صحة المجموع . قوله : ( وقال لي : السكينة أن تدخل إليّ من الباب الذي جاءك منه تعرّفي ) . قلت : لا شك أن العبد الذي يأتيه التعرف يسكن قلبه إلى مضمون ذلك التعرف ، مثاله أنه تعرف إليه في أن الذكر هو ينبغي أن يلازمه من الأوراد فدخوله إليه إذن هو من جهة ما يختص بالذكر هو الذي تحصل له به السكينة لأنه الباب الذي جاء منه التعرف . قوله : ( وقال لي : فتحت لكل عارف محق بابا إليّ فلا أغلقه دونه فمنه يدخل ومنه يخرج وهو سكينته التي لا تفارقه ) . قلت : لما كان لكل أحد استعداد يخصه أوجب أن الحق تعالى يعين لكل صاحب استعداد خاص بأن يناسبه ، ومنه يقع تعرفه إليه فمنه يدخل بحقيقة العرفان ، ومنه يخرج إلى العلم بالوجدان ، ولا يمكن أن يغلق لأن ما هو بمقتضى الاستعداد لا يتغير ، وإنما يختلف العارفون باختلاف الاستعداد .